يقظة الطفولة 🎼🌅✨

"أماكن من الذاكرة " 

 

في عالم يفتقد للحميميّة،للشعور، للتفاعل الحيّ والإحساس العميق

 بالأشياء والأشخاص،وللتواصل الذي يكسر الجمود والحواجز، ويلغي المسافات وينقذنا من ضبابية و تسارع الذهن،

عالم نسى الفرد فيه كيف يعيش من خلال غمرة الحواس ،

وتأني الإدراك ، ودفء الذاكرة 

وحُرية الخيال،

وأصبح المرء بسببه يفتقد في الأساس هذه الصلة مع ذاته ،وتحولت علاقته بالماضيوطفولته إلى جرح تنكأه العلاقات ، والمواقف الصعبة ،وتراكم الزمن، والإخفاقات ، وكل مُؤثر ضئيل وعابر في حياتنا اليومية ..

فتحولت هذه الطفولة بالتالي إلى هاجس منطفئ 

وساكن في زواية الذهن لايعرف كيف يضيئه ، 

لايعرف كيف ينسجم معه ،يعيشه بكثافة واستمرار دون أن يلتقط منه أي حقيقة مهمة ، أو شعور حقيقي ..

لايعرف كيف يستعيد منه أجزاء روحه ، ويستشعر تلك المرحلة بتفاصيلها ، وأماكنها ،وقصصها، وحتى روائحها !

لأن للحواس ذاكرة 

ولإعادة هذه الذاكرة لابد من يقظة كاملة وعميقة ،فنحن نتذكر ونستيقظ بقدر مانشعر وبقدر مانلمس ونتأمل وكما يتردد في مفاهيم الوعي الحديث لإحياء هذه الصلة مع ذواتنا ليس علينا إلا أن نتذكر وننغمس في تجربة شعورية مألوفة ..

وأنا عندما انظر لإنسان .. أي إنسان 

لا أرى فيه إلا أفكار وذكريات وصور ، كيف نشأ ، ماهي ألعاب طفولته ، ماهو موقفه الأولي من معرفة كل شيء في عالمه ، كيف نظر لوالده ،وكيف تلقى الحب من أقرانه ..

وأعود بذلك لمكاني ..وطفولتي ، 

أعود وأحيأ من جديد في كل مره أعرف بها إنسان 

يشاركني أماكن طفولته وماضيه 

كأطفال نسلط الضوءعلى أماكن جديدة ومهمة لدى كلا منا 

وأتذكر أنا بدوري كل ماقد نسيته أو أغفلته في تلك المرحلة ..

الطفولة ذاك المكان المقدس 

والبوابة السحرية التي تنادينا لها باستمرار..

نحن حاضرين فعلاً ونعيش في طفولتنا شعُورياً ،حيث لا زمن ولا مكان من الممكن أن يُفقدنا أو ينسينا وهج تلك الحقيقة الأصيلة التي سكنت أرواحنا ومنحتنا الألوان الأساسية لرؤية الحياة ، 

هذه ليست مجرد فلسفة إنما حاجة وُجودية ، ونفسية ..وروحية 

أمنت بها ومارستها وتشبعت منها طوال حياتي ..

ثلاثين عام ولازلت كل عام أزور منزلي القديم ، المزرعة والنخيل والسواقي

 التي لازال صوت الماء فيها يتدفق بذهني ..، البيوت الطينية  المتهاوية 

التي احتوت كل فضولنا وشغفنا في اكتشاف المجهول 

والطُرق الطويلة والخطيرة الخالية من كل شيء إلا من حياة بريّة جافة ، 

تلك الطُرق التي سلكتها للبحث عن أبي مره ،

وللحاق بأخوتي مره .. ولإختبار شجاعتي مرات عديدة ، 

قريتي الصغيرة التي لازالت عامرة بالحياة خالية من البشر 

فتحولت لمكان استجمام ووجهه للنُزه العائلية 

استجمع وعائلتي طاقتنا فيه ونحيي مشاعرنا فيه بين الحين والآخر ، 

إلا أنني لاحظت في آخر مره زرته أنه تضاءل بشكل غريب ! 

كيف كانت هذه الأسوار التافهة مرعبة لتسلقها ! وكيف كانت تلك الطُرق الواضحة مليئة بالمخاطر !كيف تحول المنزل الضخم الذي لايمكن الهرب منه إلى رسمة هامشية في زاوية مذكرة التدوين ! كيف كنا نحتمل إنعدام المسافة بين الغرف وكيف كنا نشارك أشياء لايمكن مشاركتها كمنشفة الإستحمام مثلاً هههههه، ربما لم يتضاءل ذاك المنزل 

بل نحن من تضخمنا !

 

  

وأعود بشكل خاص لغرفتي الصغيرة بنافذتها العالية واشتم رائحة

الوحدة وعدم الفهم وهواجس المراهقة الكثيفة حول" الإمكانية " في الطيران يوماً من تلك النافذة !

وأتذكر شقوق الضوء المُنعكسة على الجدار كيف كانت تسليني !

وكيف كانت ترسم لي أشكالاً مختلفة كل يوم ! كيف لتصدع في الجدار أو عيب في تثبيت النافذة أن يخلق كل تلك الجماليّة ! "هذه أحد الأسباب التي جعلتني أتجه لدراسة التصميم في السنين الأخيرة "،لأفهم كيف أحصل على المزيد من الهدوء والخيال والجمال في تفاصيل المسكن اليومي ،

أعود بسخرية للمطبخ المُطل على الشارع ووسط الحارة ،وعندما كنت انتهي من الوقوف الطويل

لغسيل اللأطباق كنت أقفل بشكل أطول لأشاهد الشارع ..

واسمع طقطقة الكُرة وضحك الأولاد 

وأشاهد تأملي الطويل لحُريتهم ، ورغبتي بالمشاركة في اللعب وكيف تتبدد عندما يتحول اللعب لشجارعنيف !والغريب أن حتى الشجار يبدو لهم كلعبة مقبولة وضرورية ويومية ! 

افتح الباب وأخرج لأمشي في الممر الفاصل بين المنزل والمسجد واتذكر السكينة واليقين بأنه لا شيء سيصيبني مادمت أمشي بجانب المسجد ،

ذاك الأمان الذي خبئني بين جدرانه مرات عديدة هرباً من شجارات المنزل المستمرة ..

أمر وألمس الحائط القصير "للدكات" أرى كبار السن وتجمعهم في كل عصر وصُبح ،المشاركة من الزوجات بصواني القهوة والشاي 

وأحياناً بأطباق تحليّة توزع على الأطفال ،لاأعرف مالذي كانوا يناقشونه بشكل يومي مع ندرة الضيوف وتكرار نفس وجوه الرجال الغرباء بالنسبة لي ،

بدأ حينها أن يستأنسون بالإجتماع الدوري فقط ..

دون الحاجة للكثرة الكلام والجدل والمناكفة ،


أتجاوز هذه الحياة المُثيرة والمُبهجة 

لأصل لعقبة في نهاية القرية وانظر للأفق .. 

الغروب كامل ، وأضواء مركبات بعيدة ، 

أتوق لشيء مختبئ هناك ، أتوق للمس تلك الأضواء والسفر معها ،ياه ما أجملها !

ثم يبدأ الظلام بالتسرب وأتذكر الحديث " كفو صبيانكم …

فيقشعر جسدي وأنسحب عائدة للمنزل .،

أجدهم قد هموا بتحضير السفرة التي عادة ماتكون جرائد ورقية "غالباً جريدة الجزيرة" ..يمكنني  تعلم التهجأة أثناء الأكل وهذه ميزة لم يحصل عليها الكثير .. يكون العشاء خفيفاً ويحتوي على الخبز دائماً ما أتذكر توزيع الخبز وأنسى الطبق الرئيسي ! ربما كان حساء الخضار أو الفصوليا لا أتذكر .. 

ثم نبدأ للإستعداد للنوم في فناء المنزل الممتلئ بأسرة حديدية

مخصصة للنوم في الخارج ..

يال الجمال وكيف أصبح هذ في وقتنا الحاضر كنُزهة ومن الرفاهية التي تتطلب جهداً في توفير الوقت والمزاج الجيد لتجربتها! 

كنا ننام طوال الصيف في الفناء المكشوف .. لأن الهواءالطبيعي أكثر برودة من أجهزة التكييف التي تعمل ليوم أو يومين وتتعطل لباقي الشهر ، 

كانت الأسرة مرتبة حسب العمر ،والدي ، ثم أربعة أولاد ، ثم أنا بسريري الضيق المحاط بحماية لكيلا أسقط 

كنت أنا الفتاة الصغيرة حينها ،

وأختي الكبيرة سريرها مُنعزل عنا بعض الشيء 

وغالباً تنام في الداخل رغم الحر وسوء التكييف ..وأظن أن أمي كذلك ، 

في ذلك العمر كان مُتاحاً لي عد النجوم ، 

ووصلت لحقيقة أنهاأكثر من مئة ، 

وأيضاً كانت النجوم مضيئة بشكل كثيف ومدهش، 

كنت أنام مع كل ذلك الجمال ورغم تخويف إخوتي بأنه لايجب النظر عالياً

لأن هناك وحش يسكن السطح ولا يجب أن تتلاقى عيني معه ،أنام مع فكرة الجمال فقط ورفض الخوف..

فأستيقظ بكل نشاط كما أستيقظ في الوقت الحاضر إنماالفرق أن الضوضاء ليست في أحلامي إنما في الحياة الواقعية

حيث أنه في الصيف خاصة يمكنني الإستيقاظ على أصوات الحركة  والضحك والأحاديث المستمرة طوال الفجر للشباب الأكبرسناً ، الذين يأتون من المدن لقضاء العُطلات في سمر وسهرولعب للشطرنج "والكيرم " كأنهم متعطشين للحظة صفاء وصدق وألفة ، 

وبالرغم من حصولهم على وظائف لابأس بها لم يعد أياً منهم بزوجة أو سيارة جميلة ! بل يعودون بشكل محدد للزواج من بنات القرية ويحاولون بقدر المستطاع عدم لفت الإنتباه إلى تبدل أحوالهم للأفضل !

 

هكذا تنتهي الليالي وتبدأ الأيام في القرية ..

 

ومابين ذلك الكثير من الحياة والمشاهد والصور 

والأحلام والتأملات ، 

لقد عشت خمسة عشر سنة في تلك القرية وبالرغم من كل النواقص والمشاكل آنذآك

إلا أنني تكونت بطريقة رائعة ! 

حصلت على طفولة مُتأملة وشُجاعة .. وحُرة ،

حصلت على مراهقة مُنعزلة ومُستقلة لم يضع أحدهم يده عليها ليلوثها بفكرة أو معتقد أو سيطرة ..

أحاطني الله بالحب اللآمشروط  ، والحماية ، والتسخير ، 

وبرز نجمي في المدرسة المتهالكة والتي تبعد مسافة أربع أو خمس منازل ،

تجاوزت المرحلة الإبتدائية والمتوسطة بسهولة وتفوقت دون جهد ، ليس في الدرجات بل كنت الأولى في كل نشاط ، وحفل مدرسي ، وإذاعة صباحية ، ورغم ذلك لم أنجو من التصادم مع الإدراة وبعض المعلمات لأني لم أكن انقاد بسهولة،لازالت أحلامي وبعض كوابيسي تدور بين جدران تلك المدرسة وفصولها ، 

أتذكر كل موقف مس شخصيتي ، وكل رفض فطري لأمور لم تكن نبيلة أو عادلة ..أتذكر استغراب الجميع من قضاء تلك الطالبة المتفوقة والمتميزة كل ذاك الوقت في النقاش مع المديرة !

وكيف تحملت كل ذاك الصُراخ والعقاب والحرمان من الحصص الذي كان بمثابة مكافئة تساعدني على إعادة التفكير وإيجاد أسلوب أذكى في الشرح ..كنت أدافع عن حقوقي فقط ، وربما أُعبر بذلك عن حقوق مُهدرة وضائعة لمستها في صمت وعيون الطالبات على أبواب الفصول وقت " الفُسحة " التي لم تكن كافية لأكثر من ابتلاع شطيرة وربما فقط لإستنشاق بعض الهواء !



عودتي لمنزلي القديم ، وقريتي القديمة،مروراً بالمدرسة ومنازل الصديقات 

ليست فقط لغرض إلتقاط الصور ومشاركتها مع الأشخاص ، 

أو بسبب التعلق بالذكريات ، وأصالة الماضي 

ذاك المكان أبعد من كونه مساحة مهجورة..

إنه مكان حيّ ومتصل بروحي بشكل متين ،

وكأنني بالعودة له وتأمله .. اكتشف هويتي

وأستطيع التفريق بين الأشياء الحقيقية والمُزيفة ، 

وأتذكر وجود الحب والحرية والنقاء 

وإمكانية السعادة بأقل الإمكانيات ،

وأن الأحلام تُولد باستمرار مادام هُناك أُفق ،

وأن النجوم أكثر مما أُدرك ،

وأنه لايوجد أي وحش في السطح ،

وأن الجمال شاسع جداً ،وحتى العيوب يمكن أن تخلق الكثير من الجمال !

وأننا مهما سافرنا وتجاوزنا القرية وحققنا مانرغب به ..

سنعود ونبحث عن لحظة أُلفة وصدق نستطيع فيها أن نلعب الشطرنج

 ونضحك حتى الفجر ،

وأنه لا فائدة من قطع المسافات إن لم نكسر فينا حاجز العار والخوف والإنقياد لرأي الجماعة !

وأنه مهما حصلنا على التقدير والتشجيع فهذا ما نستحقه…

وليس مبرر لأن يتحكم بنا الآخرين ، أويتم إعادة تشكيلنا حسب قوالب مُعينة ! 

وأن الحُرية والتقدير والإحترام والمساواة حقوق لايُساوم عليها ..

و إنه إن لم يستطيع المرء العودة لمثل هذا المرجع الأساسي ، 

والمكان الأول في حياته 

ولو في لمحات شعورية عابرة  ربما قد تقوده لحقائق جوهرية

 حول ذاته والبيئة التي نشأ من خلالها،

ويستنتج من خلالها أعمق انفعالاته : 

من هو , من يكون ، ومالذي يرغب به حقاً ، ماهي حدوده ، ومخاوفه ، مايثيره، ومايحرك اشمئزازه ، ومايدفعه للغضب ، 

ومالذي يجعله دافئاً ومستقراً ومضيء .. وحُراً 

فلا أعرف كيف سيجد سبيل لإحياء روحه ، وشغفه وأحلامه

وتذكر الحب والنقاء 

والنجوم .،

هذا ما أؤمن فيه ،

وأدعوكم لإيجاده، والشعور به . 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

طائر أزرق 🎼🎨

مُنذ صار أبي سماء 🌠